الإسلام يقضي على الرِّقّ

الإسلام يقضي على الرِّقّ

أسامة كامل أبو شقرا

خاص مجلة همس الحوار – العدد 34 – تشرين الأول/أكتوبر 2026

علمتني الأيام أنّ تطبيق تغيير الأنظمة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، في فترة زمنية قصيرة، كثيرًا ما تكون نتيجته سلبيةً على المجتمع، حتى وإن كان النظام الجديد مثاليًا. والشواهد على ذلك كثيرة، منها، نتائج الانقلابات العسكرية التي حدثت في بعض البلدان العربية، وما تبعها من قوانين وأنظمة، وصفت بالإصلاحية، كالأنظمة الاشتراكية وقوانين الإصلاح الزراعي، وتأميم الشركات الصناعية والتجارية، ما أدى تطبيقه الفوريّ إلى تراجع كبير في اقتصادات الدول التي طبقتها، بل وإفقار أعدادٍ لا يستهان بها من أبناء شعوبها؛ كما حصل مثلًا في كلٍّ من مصر بعد إلغاء المَلكية إثر ما سمّي بثورة تموز/يوليو 1952، وسوريا جراء عدد الانقلابات بدءًا من العام 1949 وما رافقها وما تلاها.

بينما نرى أنّ الرسل الذين بعثهم الله ﷻ لتبليغ البشر، تعاليم الأديان السماوية، التي يجاوز عمرُ آخرها الأربعة عشر قرنًا، احتاجوا إلى سنوات عديدة لإكمال مهامهم، فبعثة نبيِّ الإسلام، محمد بن عبد الله ﷺ، دامت ما يزيد عن عقدين من الزمن، حتى تحول معظم أبناء شبه الجزيرة العربية إلى دين الإسلام.

ومن الأنظمة التي كانت متبعة منذ القدم وفي جميع أنحاء العالم، نظامُ الرّقِّ، الذي كان يُصنِّف الرجالَ بين سيدٍ وعبدٍ، والنساءَ بين حُرةٍ وأمةٍ.

ولم تشذّ شبه جزيرة العرب عن سائر بلدان العالم التي كان هذا النظام متفشيًا فيها. وكان الرقيق سلعة تجارية تباع وتشترى، وكان لها أسواقٌ خاصة تسمى «أسواق النخاسة»، وكان تاجر العبيد يسمى «النخّاس».

فإلى جانب أسواق النخاسة، فقد كان الاستعباد أيضًا أحدَ نتائج عيشة البداوة، والغزوات بين القبائل، وما كان فيها من سبي الإناث، فكانت المسبِيّة تصبح أمَةً لمن سباها، حتى ولو تزوجها، ما جعل الكثير من الآباء يكرهون بناتهم، ومنهم من كان يعمد إلى وأدهنّ فور ولادتهن.

فلما جاء الإسلام نهى عن تلك الكراهة للبنات، وغرس في قلوب المؤمنين عدم التفريق بين الذكر والأنثى من أولادهم، بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (النحل 58)﴾، و﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (الصافات 149)﴾، و﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (الصافات 154)﴾.

وحرّم أيضًا قتل الأولاد، ذكورًا كانوا أم إناثًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ[1] نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الأنعام 151)﴾، وفي، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (الإسراء 31)﴾.

كما أنّ في قوله، ﷻ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (التكوير 9)﴾، تأكيدٌ إضافيّ على تحريم وأد البنات.

كما بثّت في نفوس المستعبَدين ما يساعدهم على التخلص من عقدة الشعور بالعبودية: من قوله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات 13)﴾، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب 35)﴾. وفي كلام هاتين الآيتين، تأكيدٌ من الله ﷻ، واضحٌ وصريحٌ على المساواة بين البشر.

كما تُثنّي أحاديث عن النبي ﷺ، على تلك المساواة، منها أنه ﷺ، قال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيٍّ على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أَبَلَّغْتُ؟»[2]

كما شجع ﷻ، رجال المسلمين، على الزواج بالإماء، وبإذن أهلهنّ، بقوله ﷻ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (النساء 25)﴾. وفي هذا «وسيلة من وسائل التحرير فلأن الأمة حينما تكون مملوكة لمسلم، فيجوز له أن يعاشرها معاشرة الزوجات، فإذا ولدت له ولدًا، واعترف بالولد أنه ابنه أصبحت في نظر الشرع» أم ولد «وفي هذه الحالة يحرم على السيد أن يبيعها، وإذا مات ولم يعتقها في حياته، فإنها تصبح حرة بعد مماته مباشرة.[3]»

كذلك كان الرَسُول ﷺ، يحضُّ على حسن معاملة العبد، كما في تأنيبه ﷺ للصحابي الجليل أبي ذرٍّ، لأنه عيّر رجلًا بأمه، إذ قال له: «يا أبا ذَرّ، أعَيَّرتَهُ بأمِّهِ؟ إِنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة. إخْوانُكمْ خَوَلُكمْ[4]، جَعَلَهمُ اللّهُ تحتَ أيدِيكُمْ. فَمَنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدِه فلْيُطْعِمْهُ ممّا يأكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ ممَّا يَلْبَسُ، ولا تُكلِّفوهمُ ما يَغْلِبُهم، فإنْ كلَّفتموهُم فأعِينوهُم»[5].

كما أنّه ﷺ، فرض على السيد الذي يضرب غلامه، من دون سبب، أن يُعتقه، كما في قوله ﷺ: «مَنْ ضَرَبَ غُلاَمًا لَهُ، حَدًا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ»[6].

وبالإضافة إلى ما ذكرناه سابقًا عن مصادر الرّقّ، من أسواق النخاسة، والمتوارث من السبي في الغزوات في الجاهلية، فهناك مصدرٌ أوجدته معارك جهاد النبي ﷺ، ومن معه من المؤمنين، في دفاعهم عن أنفسهم بوجه سادة قريش وحلفائهم، إذ أصبح كلٌّ من الفريقين يعتبر أسراه غنائمَ، وبالتالي مملوكين. أما من كان يؤمن بعد أسره، بدين الإسلام، فيصبح حرّا، كما في قوله تعالى إلى نبيه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الأنفال 70)﴾.

كما كانت تعاليم النبي ﷺ، للقادة تقضي بأن إسلام الأسير يمنحُه حرّيته، كما في قوله لهم: «اغْزُوا بِاْسمِ الله فِي سَبيلِ الله قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكينَ فادْعُهُمْ إلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ – أَوْ خِلاَلٍ – فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجابُوكَ فَاقْبَلْ مِنهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ. ثُمَّ ادعُهُم إلى الإسلامِ، فإن هم أجابوكَ فاقبلْ منهُم وكفَّ عنهُم[7]».

ولكن هذا المصدر كان من الواجب انتفاؤه مع وفاة النبي ﷺ، حسب ما بينته في كتابي «الجهاد في القرآن – لا قتال بعد وفاة النبي ﷺ»[8].

بالإضافة إلى ما سبق، فهذا النظام كان يقضي بأنّ أبناء الزوجين من العبيد، ذكورًا وإناثًا، يعتبرون أرقاء،

مُلكًا لأسياد آبائهم منذ الولادة. كما كان الإرقاء يُتوارثون، كما تُتَوارثُ الأنعام.

أسس إلغاء الرق في الإسلام:

أما كيف وضع الإسلام أسس إلغاء الرق، فقد ورد في القرآن الكريم، آياتٌ، فتحَ تطبيقُ قواعدها أبوابًا واسعةً تؤدي إلى القضاء على الرّقّ بسلاسةٍ ولِينٍ، ومن دونِ فرضها قسرًا، بل عن اقتناعٍ وطيب نفس، نتيجة الإيمان الصادق بتعاليم الدين الحنيف، وطاعةِ الخالق، ومن دون أيّ اعتراضٍ ممن كانوا يسمّون بالأسياد. وفي ما يلي بيان ذلك:

أولًا- الكفارة:

«الكَفَّارة؛ ما كُفِّرَ به من صدقة أَو صوم أَو نـحو ذلك»[9]. ويمكن أن نشبهها بالغرامة، أو الجزاء، الذي تفرضه قوانين الحكومات في أيامنا هذه؛ والغاية منها التكفير عن واجب دِيني قصرنا في أدائه أو عن ذنب اقترفناه. و«ما يُكَفَّرُ به من الخطيئة واليَمين فَيُمْحَى به»[10]. وبـ«ما يغطي الإثم، ومنه: كفارة اليمين… وكذلك كفارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظِهار.»[11]. وكما أنّ في هذه الكفارة منفعةً اقتصادية، بالمساهمة في معالجة مشكلة الفقر، كما بيّناه في مقالة سابقة[12]، فهي تساهم أيضًا في القضاء على الرّقّ، جرّاء العدد من «العبيد» الذين يتحررون بنتيجتها. وهذه الكفّارة، تتوجب في الحالات التاليات:

1 – في القتل والأذية:

كفارة قتل المؤمن خطأ تبينه الآية التالية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطََأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء 92). ويفسرها لنا الجلالان[13] بالقول: «{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} أي ما ينبغي أن يصدر منه قتل له {إلا} في قتله من غير قصد {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا} بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبـا {خَطَأً فَتَحْرِيرُ} عتق {رَقَبَةٍ} نسمة {مُّؤْمِنَةٍ} عليه {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} مؤدّاة {إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي ورثة المقتول {إِلا أَن يَصَّدَّقُوا فإن} يتصدّقوا عليه بها بأن يعفوا عنها… {فَإِن كَانَ} المقتول {مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ} حرب {لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} على قاتله كفارة، ولا دية تسلم إلى أهله لحرابتهم {وَإِن كَانَ} المقتول {مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـاقٌ} عهد كأهل الذمّة {فَدِيَةٌ} له {مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} … {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} على قاتله {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} عليه كفارة ولم يذكر الله ﷻ  الانتقال إلى الطعام كالظهار،… {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} مصدر منصوب بفعله المقدر {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا} بخلقه {حَكِيمًا} فيما دبره لهم.»

2 – في الحِنْث في اليمين:

والحنث «الـخُـلْفُ فـي الـيمين. حَنِثَ فـي يمينه حِنْثًا وحَنَثًا… لـم يَبَرَّ فـيها»[14]؛ يحدد كفارته قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة 89).

وفيها يقول الجلالان: «{فَكَفَّارَتُهُ} أي اليمين إذا حنثتم فيه {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـاكِينَ} لكل مسكين مدٌّ {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ} منه {أَهْلِيكُمْ} أي أقصده وأغلبه لا أعلاه ولا أدناه {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار، ولا يكفي دفع ما ذكر إلى مسكين واحد، {أَوْ تَحْرِيرُ} عتق {رَقَبَةٍ}»

3 – في الظِّهار:

«والظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ عليّ كظهر أمّي»[15]. أي أنها محرّمة عليه. فمن قال مثل هذا لزوجه ثم أراد العودة عنه، فتكون كفارته تحرير رقبة[16]، عملًا بالآية: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة 3).

ثانيًا– المكاتبة:

المكاتبة هي اتفاقٌ بين السيد ومملوكه يتعهد فيه هذا الأخير بأن يدفع لسيده مبلغًا من المال، أو ما شابهه، تحدد قيمته ونوعه بالتراضي بينهما، في مدة من الزمن يُتفق عليها أيضًا مسبقًا، وعند إيفاء هذا المملوك بتعهده يصبح حرًّا. وفي تفسير الجلالين: إنها «أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة وصيغتها مثلًا (كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف، فإذا أدّيتَها فأنت حرّ) فيقول (قبلت)».

ولو أعدنا قراءة قوله تعالى: {…وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ…} (النور 33)، ثم دققنا في صيغته اللغوية في قوله: {…وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ.. فَكَاتِبُوهُمْ..} الا ترى معي أيها القارئ الكريم، أنّ في هذه الصيغة أمرًا من الله تعالى إلى المالك بمكاتبة مملوكه الذي يرغب فيها؟ وفيها أمر آخر بقوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}، فهو يأمر أيضًا بمساعدتهم ماليًا. وإذا قلنا بأن هذه المكاتبة مشروطة بمعرفة الخير في هذا المملوك، فهذا أمر منطقيٌ وواجبٌ، لأنّ حرية العبد غير القادر على كسب عيشه، أو غير المؤهّل، قد يكون فيها أذية له وللمجتمع، وبخاصة إذا كان في قلب هذا العبد حقدٌ على سادته، فقد يتحول عندها إلى الإجرام انتقامًا من أولئك السادة. وقد جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية ما يتطابق مع رأينا، عندما يقول: «هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه».

والمكاتبة، في رأيي، أوسعُ أبواب الانعتاق من الرقَّ، بإعطاء «المستعبَد» حقّ الحصول على حريته بدعم من نصٍّ قرآنيّ واضح المعنى والمبنى.

ثالثًا: فضل تحرير رقبة

يقول تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ[17] (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ[18] (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ[19] (البلد 16)﴾. وإنّي أرى أنّ أفضل تفسير لنتيجة هذه الآيات، هو في قول رسول الله ﷺ: «وأيُّما رجل أعتق رجلًا مسلمًا جعل الله عزَّ وجلَّ وقاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظام محرره من النار، وأيّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله عزَّ وجلَّ جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظام محررها من النار»[20].

وعنه ﷺ أنه قال أيضًا: «ثَلاثةٌ لهم أجْرانِ: رَجُلٌ مِن أهلِ الكِتابِ آمَنَ بنبيِّه وآمن بمحمدٍ ﷺ، والعَبدُ المَمْلوكُ إِذا أَدَّى حقَّ اللهِ وحقَّ مَوالِيهِ، ورَجلٌ كانْت عندَهُ أمَةٌ يَطَؤُها فأدَّبها فأحسَنَ تَأْدِيبَها، وعلَّمَها فأحسَنَ تعليمَها، ثمَّ أَعتقَهَا فَتَزَوَّجَها، فله أجرانِ»[21].

وقد «أعطى الرسول ﷺ، القدوة الصالحة في ذلك إذ أعتق مَن عندَه من الأرقاء، وتلاه في هذا أصحابه متأسين[22] محتسبين عن إيمان وطواعية.[23]».

«ويذكر التاريخ أن عددا ضخمًا من الأرقاء قد حُرر بطريقة العتق الطوعي الترغيبي المنبعث من الإيمان القائم على الأجر من الله[24].»

رابعًا: من أموال الزكاة:

 وفي قوله ﷻ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة 60)﴾.

والمقصود بالصدقات هنا: الزكاة، وفي قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي (وفي فك الرقاب)؛ أفهمه بتخصيص مال من أموال الزكاة لتحرير الرقاب بمساعدة المُكاتبين. ويعزِّز رأيي هذا، ما جاء في تفسير الجلالين: «{إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ} الزكوات مصروفة {لِلْفُقَرَآءِ} … { وَفِي} فك {الرِّقَابِ} أي المكاتبين».

«فمما يذكره التاريخ الإسلامي بملء الاعتزاز والافتخار.. أن خازن بيت المال في عصور الخلفاء كان يشتري من سوق النخاسين عبيدًا ويحررهم كلما زاد بيت المال عن كفالة الفقراء والمحتاجين[25]»

أما على صعيد سائر أقطار العالم فنكتفي بأن في فرنسا، فقد حرّرت الثورة الفرنسية في العام 1789، العبيد…

وفي الولايات المتحدة الأميركية، فقد أعلن أبراهام لينكولن تحرير المستعبَدين في بداية العام 1863.

وقبل الختام، ولمن يقول بأن الرّقّ استمرَّ في العالم الإسلامي، إلى ما بعد الخلفاء العباسيين بزمن طويل، بما في ذلك في الأندلس، نجيب بأن هذا الأمر ليس التقصيرَ، أو المخالفةَ الوحيدة التي ارتكبها أولو الأمر لتعاليم دينهم، ويبقى حسابُهم عند باريهم.

وأضيف، بأن «العبيد» هم أنفسهم قد تخاذلوا بالعمل على التحرر من عبوديتهم، فلو طلبوا المكاتبة لأُجبِرَ أسيادُهم على تلبية طلباتهم. وتخبرنا كتبُ التاريخ، الكثيرَ عن عدل قضاة المسلمين وعظمة أحكامهم، وتأثيرها على أولي الأمر في أزمانهم. ولكنّ من ارتضى بمذلّة العبوديّة، فلا يستحقّ الحريّة. والحرية تؤخذ ولا تعطى.

وأختم سائلًا، هل انتفت العبودية حقًا في جميع أصقاع العالم، بما فيها تلك التي تدّعي بحرية الرأي وحقوق الإنسان؟ أم أنها ألبست أقنعةً مذهبةً، وثيابًا من سندسٍ، بطائنُها من إستبرق؟

مونتريال

30/8/2026

أسامة كامل أبو شقرا

المراجع

  • القرآن الكريم
  • كتب التفسير
  • صفوة أحاديث الرسول ﷺ – أسامة كامل أبو شقرا – الطبعة الأولى – 2024 – مونتريال – كندا.
  • نظام الرق في الإسلام – عبد الله ناصح علوان – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – 2003.
  • الجهاد في القرآن لا قتال بعد وفاة النبي ﷺ – أسامة كامل أبو شقرا – تقديم العلامة السيد علي الأمين – الدار العربية للعلوم ناشرون – بيروت – الطبعة الأولى 2018.

[1]{خشية إملاق} أي الفَقْر والحاجة. (العين – للفراهيدي).

[2] (صفوة أحاديث الرسول ﷺ – الحديث 1667) صفوة أحاديث الرسول ﷺ – أسامة كامل أبو شقرا – الطبعة الأولى – 2024 – مونتريال – كندا.

[3] راجع ص. 62 – نظام الرق في الإسلام – عبد الله ناصح علوان – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – 2003.

[4] خَوَلُ الرجلِ: حَشَمُه، الواحد خائل، وقد يكوْن الخَوَل واحدًا وهو اسم يقع على العبد والأَمة. (لسان العرب).

[5] (صفوة أحاديث الرسول ﷺ – الحديث 1588). المرجع السابق.

[6] (صفوة أحاديث الرسول ﷺ – الحديث 1590) المرجع السابق.

[7] (صفوة أحاديث الرسول ﷺ – الحديث 648) المرجع السابق.

[8] راجع ص. 41 وما يليها، الفصل الثالث – الجهاد في القرآن لا قتال بعد وفاة النبي ﷺ – أسامة كامل أبو شقرا – تقديم العلامة السيد علي الأمين – الدار العربية للعلوم ناشرون – بيروت – الطبعة الأولى 2018.

[9] لسان العرب – لابن منظور.

[10] كتاب العين – الخليل بن أحمد الفراهيدي.

[11] مفردات ألفاظ القرآن الكريم – للراغب الأصفهاني.

[12] راجع العدد 30 – نشرين أول/أكتوبر – 2025 – مجلة همس الحوار.

[13]  تفسير الجلالين.

[14] لسان العرب – باب حنف.

[15] (مفردات ألفاظ القرآن الكريم – للراغب الأصفهاني).

[16]  تحرير رقبة: أي عتق عبد مملوك.

[17] فَكُّ الرقبة: تـخـلـيصُها من إِسار الرِّق. (لسان العرب). وفي تفسير الجلالين: {فَكُّ رَقَبَةٍ} من الرق بأن أعتقها. وفك الرقبة: عتقها.

[18] سغب: السّاغب: الجائِعُ. وسَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبُا ومَسَغْبَةً. (معجم العين للفراهيدي).

[19] تَرِبَ أَي افْتَقَرَ، حتـى لَصِقَ بالتُّرابِ. (لسان العرب).

[20]  (صفوة أحاديث الرسول ﷺ الحديث 701) المرجع السابق.

[21] (صفوة أحاديث الرسول ﷺ – الحديث 1586). المرجع السابق.

[22] تَأَسَّى به أَي تعزَّى به. (لسان العرب).

[23] راجع ص. 49 – نظام الرق في الإسلام – عبد الله ناصح علوان – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – 2003.

[24] راجع ص. 50 – نظام الرق في الإسلام – المرجع السابق.2003.

[25] راجع ص. 59 – نظام الرق في الإسلام – عبد الله ناصح علوان – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – 2003.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *