قراءة كتاب «ظلّ وطن»

قراءة كتاب «ظلّ وطن»

للسيدة بدور عبد الباقي العطّار

مونتريال في 14/11/2025

أخواتي وإخواني أسعد الله أوقاتكم

يوم طلبت مني الأخت الكريمة السيدة بدور، الاطلاع على كتابها «ظلُّ وطن»، أول ما تبادر إلى ذهني السؤال التالي: هل تروم هذه السيدة الجميلة الأنيقة، أن تكمل زينتها، بلقب كاتبة أو أديبة، أسوة بالكثيرات من الجنس اللطيف، أو حتى من الرجال؟ 

ولكن عندما وقعت عيناي على شهادة تقييم وتقدير تصدرت صفحاته، في تقديم «أبي الثقافة» أخي وصديقي العزيز، د. علي حرب، الذي عهدته لا يجامل في مثل هذه الأمور، طرحتُ هذا التساؤل جانبًا.

وما أن أكملت قراءة مقدمة المؤلفة، حتى تحققت من أنّ بين يدي كتابًا يستحق القراءة بتمعن وتأنٍ، لما فيه من صور وجدانية صاغتها الكاتبة بأسلوب شائق وبلغة سليمة، وبمداد حزنٍ من نفسٍ تتألم على فقد أبيها ثم وطنها.  

ولما تساءلتُ عمّا وراء عبارة «ظلُّ وطن» التي اختارتها عنوانًا لهذا الكتاب؟ قائلا: هل تقصد أنها تعيش تحت مظلة وطنٍ يحميها من غدرات الزمان؟ أم أنّ وطنها تحول إلى ظلِّ ما كان يومًا يسمّى وطنًا؟

فجاءني الجواب في بعض صفحاته بقولها: «ما بين ظلِّ أبي، وظلّ وطنٍ نازف، أحاول أن أكون جسرًا، أحمل المعنى من زمن الآباء إلى زمن الأبناء، كي لا تنكسرَ القيمُ على أعتاب الخراب، ولا يضيعَ الحلم في حقائب الهاربين، ولا تصبحَ الحكاية مجرد ذكرى باهتة.» الله ما أجمل هذا التعبير.

ثم تصور لنا سبب نزف وطنها بالقول: «كانت القنابل تَكتبُ جغرافيتنا من جديد، وتعيدُ ترتيب علاقتنا بأنفسنا.»[1] كأني بها ترفض الاعتراف بتمزق وطنها وتشتت أبنائه.

ثم تستطرد قائلة: «الإنسان الذي لا ينهار، هو الوطن الذي لا يُهزم.» [2] فبالله عليكم يا سادة، ألم يكنْ انهيارُ الإنسان في بلادنا، السببَ الأهم في ما وصلت إليه أحوالها؟

ما هو الوطن:

بعدما تتساءل: «هل هو اسمٌ نحفظه في الوثائق، أم رائحةٌ نكتشف أننا نحملُها في مسامات جلدنا من دون أن ندري؟» وتضيف: «حين كان الوطن فكرة، تَجَسّد أمامي، أول مرة، في صورة أبي.»[3] ، فها هي تجمع تعلّقَ الفتاة بأبيها، ومحبتها لوطنها، فتجعل الاثنين واحدًا. وتضيف:

«وحين غاب (الأب)، غاب الركن، وبقيت الجدران تتداعى من حولي، حتى ظننت أنّ لا شيء ثابت، لا بيت، لا وطن ولا حتى قلوب البشر.»[4] وتكمل:

«لكنني مع الوقت، وأنا أتلمس دروب النجاة، فهمت أن الأب لم يكن سندًا حاميًا لي وحدي، بل كان صورة الوطن كما حلمناه: هادئًا لا يخذل، حنونًا لا يبطش، ثابتًا لا يبيعك في المزاد.»[5] كم هي مثالية نظرتك إلى الوطن، يا سيدتي.

الهجرة:

فبعد غياب أبيها، وطنِها الصغير، وبعد تمزق سوريا، وطنِها الكبير، تُقرِّرُ الهجرة لتحتمي وعائلتها بالغريب البعيد، من أخطار التقاتل العبثي بين أبناء جلدتها. فتقول: «حين صار الوطن وجعًا في صدري، لا مجرد حكاية على ألسنة الكبار، بدأت أفهم أن الرحيل ليس فقط مغادرة بيتٍ أو مدينة، بل مغادرة نفسِكِ القديمة.» (ص 37)

ثم تضيف: «في لحظةٍ ما، حين تتشظى المدينة داخلنا قبل أن نغادرها بأقدامنا، ندرك أن الجغرافيا ليست خطوطًا على الخارطة فحسب، بل هي طمأنينة داخلية تتشكل من صوت الأذان عند الغروب، من نداء بائع الخبز ينادي، من الطريق المألوف بين المدرسة والبيت، من ظلّ أبٍ لا يزال يحرس الزاوية رغم غيابه.» (ص 40)

فتصور لنا شعورها يوم مغادرة أرض الوطن، قائلة: «شعرتُ أنني أُخْلَعُ من جذوري كما تُقلع شجرة من ترابها وهي ما زالت خضراء. لم أمت، لكنني ما عدت حيةً كما كنت.»[6]

وبعد رحلة خيّم عليها عذاب فراق الوطن، وبعد بلوغها وأولادها ملجأهم، في بيت لا شبه بينه وبين بيتها الذي تخلت عنه مرغمة، كان عليها الذهاب إلى دائرة الهجرة لإجراء المعاملات اللازمة للإقامة في بلد ذي لغة أشعرتها بأنها ليست هي نفسها حين تركت وطنها، حتى اسمها اختلف نُطقُه. فتقول: «لم أرَ وجهًا ولا جسدًا. لكنني رأيت وجهي القديم، صوتي الذي اختنق حين نُطِقَت كلمة «لجوء»، دمعتي التي لم تجد من يفهمها، حين سألتني موظفة الهجرة:

  • هل أنتِ متعبة؟
  • لا، أنا مشوشة.
  • مشوشة ممن؟
  • من نفسي…»

وتكمل في سرها «من هذا البلد الذي لا يجيد نطق حزني»[7]

أخواتي وإخواني، اسمحوا لي أن أقرأ على مسامعكم عيّنةً عن دقة وصفها لما حولها ولإحساسها بالغربة التي فُرضت عليها، ولمدى تعلقها بوطنها، وكيف تزرع محبته في قلوب أبنائها، فتقول:

«في صباحٍ هشٍّ، كانت الشمس تتسلل بخجل بين ستائر الغرفة، كأنها لا تزال تتردد في الاعتراف بالنهار.

«جلست على الكنبة التي لم تألفني بعد، أحاول أن أرتّبَ فنجان قهوتي كما كنت أفعل دائمًا في بيتي القديم، هناك، حيث كان للفنجان ذاكرةٌ، وللجلسة معنًى.

«جاءت ابنتي (لونا)، تحمل بيدها دفتر الرسم، وباليد الأخرى الألوان. جلست بجانبي، وسألتني بعفوية أقرب إلى الطفولة من السؤال بذاته:

  • «ماما، شو يعني وطن؟»

«توقفت يدي. شعرت أنّ فنجاني أثقلُ من قلبي. سؤالها لم يكن سياسيًّا، ولا إنشائيًا. لم يكن ملونًا بالشعارات، ولا ملوثًا بالخرائط. كان سؤالا عاريًا، بسيطًا صادقًا… تمامًا مثلها.

«كيف أشرح لها أن الوطن قد يكون حفرةً عميقة في الذاكرة؟ أنني أراه أحيانًا في وجه أبي، وأحيانًا في صوت فيروز عند السادسة صباحًا، وأحيانًا في صورة دمشق التي لم تعد دمشق؟ كيف أقول لها إن الوطن قد يكون مزيجًا من بيتٍ لم نعد نملكه، من ذكرياتٍ نخاف أن ننساها، وصورٍ تتبدل مع كلِّ لحظة فقدٍ؟

«تنفست ببطءٍ، وقلت لها:

  • «الوطن هو المكان اللي بتحسّي فيه بالأمان، حتى لو ما كان كامل»

رفعت عينيها إليّ، ثم همست:

  • «يعني عنّا وطن هون؟»

«يا الله، كم تمنيت أن أكذب عليها! أن أقول: نعم، طبعًا! لكنني كنت أخشى أن أزرع في قلبها شعورًا مغشوشًا، فتبحث يومًا عن وطنٍ مزوّرٍ في حضن غريب.

قلت لها بصوت يشبه الشجن:

  • «في شي هون بس الوطن الحقيقي، بعده معنا، جواتنا»

سكتت قليلا ثم كتبت في دفترها الصغير، بخطها غير المتناسق:

«الوطن قلب كبير أحيانًا بيبكّي، بس ما بيوقّف يحب»

تلك الجملة لم تكن جملة. كانت مرآة. مرآةٌ لا تكذب. مرآةٌ قالت لي: «كفّي، لقد تعبنا من التمثيل!»[8].

أخواتي وإخواني، «ظلُّ وطن»، كتاب تصف فيه المؤلفة فصلًا مهمًا من فصول حياتها، بقطعٍ أدبيةٍ وجدانيةٍ مرصعةٍ بنفحات فلسفية، ووصفٍ دقيق لتقلبات شعورها وأحاسيسها، بكلمات نابعة من قلبٍ قاسَى أهوال تقاتل الإخوة في سوريا، الذي أدّى إلى سفك دماء عشرات آلاف الأنفس البشرية، وتهجير الملايين، عدا عن التدمير والخراب.

كتابٌ تقوله مجموعةَ لوحاتٍ فنيّة رصفتها السيدة بدور بلغة سليمة، وبأسلوبٍ شائق، يُنسينا النظر إلى عقارب الساعة فور البدء بقراءته. ثمّ إنّها تكتب، وكأنها تغرفُ من ينبوع ماء نقيٍّ غزير، لا من بحرٍ قد تشوه ملوحتُه نقاء كلماته.

«ظلُّ وطن»، باكورة الإنتاج الأدبي للسيدة بدور عبد الباقي العطّار، كتابٌ يبشرُنا بولادة أديبة أديبة، ويضع على منكبيها مسؤولية المحافظة على مستواه، إن لم أقل أحسن منه، في أعمالها القادمة.

«ظلُّ وطن» كتابٌ لا يُختصر ببضع صفحات أو دقائق، ولذا سأكتفي بهذا القدر، لأترك لكم، متعة اكتشاف ما حوت صفحاتُه من الكنوز الفنية. متمنيًا على الأديبة السيدة بدور، أن تزيدنا من مخزون جواهرها الفنية، لترقى إلى مصافِّ أهمّ الأُدباء. راجيًا لها التوفيق والنجاح، من الله العليِّ القدير.

وشكرًا لحسن استماعكم.

 

 

[1]  (ص 37)

[2] (ص 35)

[3]  (ص 19)

[4] (ص 34)

[5] (ص 34)

[6](ص 38 – 39)

[7] (ص 50)

[8] (ص 52 – 53)

أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ

قراءة كتاب «ظلّ وطن»