أحمد مُرَيْوِد (1886 – 1926)
مائة عام على استشهاده
منذ مائة عامٍ، وفي ساعات صبيحة اليوم الحادي والثلاثين من شهر أيار/ مايو عام 1926، تلقت هامةُ أحمد مُرَيْوِد، رصاصاتٍ قاتلة، اخترقت خاصِرتَه وكتِفه وذقنه، في هجمة بربرية، على عرينه في بلدته جباثا الخشب، في ريف مدينة القنيطرة السورية، نفذتها فرقة من جيش المستعمر الفرنسي، تساندها الطائرات والدبابات والمدفعية، ولم يكن معه من الثوار سوى مجموعة، قد لا يزيد عددهم عن الخمسة والأربعين، ممن نذروا أنفسهم، لتحرير الأرض السورية من رجسِ المستعمر. فارتقى قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان، عدوُّ المستعمر وعاشقُ الحرية والاستقلال والعروبة، إلى جوارِ ربّه شهيدًا، ومعه أربعون من رفاقه الأبطال منهم: شقيقُه الشاب محمود، «عريس الشهداء»، الذي كان قد مضى على عقد قرانه أقلُّ من ثلاثة أشهر، ومحمد أسعد مريود وحسن عثمان مريود ومحمد عمر سعد الدين مريود وعيسى مريود ويوسف ابراهيم مريود واسعد مريود ويوسف رحال وزين العلّان وأمين الديك ومريم إبراهيم ومحمود الجلاد وحكمت العسلي وفائق العسلي.
كما قامت الطائرات والمدافع، المرافقة لتلك الفرقة، بقصف أحياء البلدة ومدرستها، ما أدى إلى التدمير الكلّي أو الجُزئي لكثير من بيوتها، وأولها دار الشيخ موسى مريود، والد الشهيد القائد الصلب، الذي لم يساوم يومًا على استقلال سوريا الكامل.
وزيادة في الحقد والتشفّي، سرق قائدُ الفرقة المعتدية وجنودُه، جسد الشهيد الطاهر، وألقَوه على أديم ساحة المرجة في دمشق، ساحة شهداء السادس من أيار أيام الحكم العثماني، وأبقَوه معروضا على أرضها حتى المساء. فأثبت بذلك، أولئك «المتحضرون» دعاةُ الحرية والإخاء والمساواة، الذين جاؤوا «لتمدين» أبناء أرض الحضارات، ريادتَهم في الحقد والوحشية والهمجية.
ولكن أبناء دمشق الوطنيين الأبرار، رجالًا ونساءً، راحوا ينثرون الورود والرياحين على جثمان شهيد الوطن، حتى سمحت سلطات الاستعمار البغيض بمواراته؛ عندها أصرَّوا على أن يحتضن ترابُ مدينتِهم، جثمان رمز الوطنية، فوقفوا سدًّا منع نقله الى بلدته ومسقط رأسه، جباثا الخشب، وأقاموا له، ولرفاقه الشهداء، مأتما شعبيا ودينيا مهيبا. وواروه الثرى في مقبرة «قبر عاتكة» في دمشق. وما فعلوا ذلك إلّا لأنه كان بالنسبة لهم أبرزَ قادة سوريا التاريخيين، فهو أولُ من رفع العلم العربي في سماء دمشق، مع البطل محمد الأشمر، في الثلاثين من شهر أيلول من عام 1918. وهو من ثأر لكرامة الجامع الأموي وللقائد صلاح الدين الأيوبي، بتدبير محاولة قتل الجنرال غورو، الذي اختارته حكومته لمنصب المفوض السامي في سورية ولبنان اعتبارًا من 23 تشرين الأول 1920، إذ فور دخوله دمشق، توجه مباشرة إلى ضريح ذلك القائد البطل، قرب الجدار الشمالي الغربي للجامع الأموي في قلب المدينة القديمة، ووضع حذاءه العسكري على الضريح وقال: «ها قد عُدنا يا صلاح الدين». وفي رواية أخرى: «أن غورو دخل دون إشارة تحية بملابسه العسكرية وسيفُه إلى جانبه وقبعته فوق رأسه فقال: يا صلاح الدين أنت قلت لنا في إبان حروبك الصليبية أنكم يا غرب خرجتم من الشرق ولن تعودوا إليه وها قد عدنا فانهض لترانا هنا في سوريا»[1].
والمؤسف، أنّ هذا الرجل المشبع بروح الإمبريالية الاستعمارية، والذي كان نذير شؤم وبلاء على بلادنا وأهلنا، وكان وراء قتل وتشريد المئات من أبنائها، والذي لم تكرّمه حكومته، حسب قول الجنرال كاترو في كتابه (مهمتان في الشرق الأوسط): «كانت جنازته بلا نشيد وبلا رجال دولة، وبلا جنرالات»، فلم يزل في وسط مدينة بيروت، عاصمة الجمهورية اللبنانية «المستقلة»، شارعٌ يحمل اسمه، «تخليدًا لذكراه».
واليوم أقول لك يا خالُ: نمْ هنيئًا، محتفظًا بشرف ما استُشهِدت من أجله، لأنك لم تشهدْ ما حدث من المآسي في بلادنا العربية بعد استشهادك:
- فالدولة العربية التي عملتم على استقلالها، أنت ورفاقك في جمعيتي العهد[2] والعربية الفتاة[3]، بميثاق 1915، ضمن الحدود التالية: «شمالًا خط مرسين – أضنة إلى ما يوازي خط العرض 37 شمالًا، ثم على امتداد خط بيريجيك – أورفة – ماردين – ميدات – جزيرة ابن عمرو – العمادية إلى حدود إيران شرقًا، على امتداد حدود إيران إلى الخليج العربي جنوبا. وجنوبا – المحيط الهندي – باستثناء عدن. وغربا – على امتداد البحر الأحمر ثم البحر الأبيض المتوسط إلى مرسين»[4]؛ فلقد قامت فرنسا بسلخ جزءٍ كبيرٍ من جهتها الشمالية، ومنه لواءا كيليكيا وإسكندرونة، وقدمته لقمة سائغة إلى أتاتورك، في ثلاثينيات القرن الماضي، مكافأة له على ما أجرمه بحق الإسلام والمسلمين.
- وفلسطين، إحدى الدويلات الخمس التي اصطنعتها اتفاقية سايكس – بيكو، وهبتها بريطانيا إلى جماعات من الي***هود، لملمتهم من أصقاع المعمورة. وفي العام 1948 أعلنوها دولةً لهم تحت اسم: (إسرا**ئيل). فأعلنت أخواتُها الأربع، ومعهنّ المملكة المصرية، الحربَ لاستردادها، ولكنهنّ لم تتمكن من استرجاع شبر واحد من أرضها. فاكتفى العرب بتسمية هذه الكارثة، «النكبة».
- وبعد «نكبة» 1948 حدث أول الانقلابات العسكرية في سوريا في نيسان 1949، بحجة تخاذل الحكومة في حرب فلسطين. ولكن الذي حصل أنّ زعيم هذا الانقلاب، قبِل بما رفضته الحكومة «المتهمة» من شروط اتفاقية الهدنة. ثم توالت الانقلابات حتى أصبحت سوريا مضرب مثل بعددها وبالفترات الزمنية بين الواحد والآخر؛ وصولًا إلى إفقار شعبها بالإصلاح الزراعي، ثم الرئاسة الدكتاتورية «فإما الأسد أو نحرق البلد». والملايين من أبنائها مهجّرون، ومن بقي منهم أصبحوا طوائف متناحرة. وليست بعيدة عن التقسيم…
- وفي العام 1952، وصلت عدوى الانقلابات إلى مِصر، فانقلب العسكر على الملك، وأعلنت الجمهورية. والحجة عينها: تخاذل حكومة الملك في حرب فلسطين. ثم أصدر القائد الجديد، قانون الإصلاح الزراعي بحجة توزيع الثروة على الشعب، فكانت النتيجة توزيع الفقر عليهم…
- وفي العام 1958 وصلت عدوى الانقلابات إلى العراق، الذي راح يتدهور عامًا بعد عام، حتى أصبح ثلاثة، وخيراته وموارده الطبيعية تُنهَب، وكثيرون من أبنائه مهجّرين.
- وفي العام 1967، شنّت تلك «الدولة المارقة»، حربًا على الجمهورية المصرية والجمهورية السورية والمملكة الأردنية الهاشمية، ضاع بنتيجتها، من يد مصر، صحراءُ سيناء وقطاعُ غزة، ومن سوريا هضبةُ الجولان المنيعة على الغزاة، وضاعت، الضفةُ الغربية من الأردن. وهذه سمّوها، «النكسة».
- ولبنان الذي كان واحة غنّاء، بدأ الاقتتال بين أبنائه، في العام 1958، بأمر خفيٍّ من الولايات المتحدة الأميركية، المستعمر الجديد الذي حلّ محلّ بريطانيا وفرنسا. ومنذ العام 1968، حمَّلته، وحدَه، الدولُ العربيةُ الاثنتان والعشرون، مجتمعة، قضية فلسطين وما تفرّع عنها، فأصبح ساحةً لحروب الآخرين على أرضه وبين أبنائه، منذ العام 1975، ما عرضه للاجتياحات المتكررة، وصل أحدها إلى عاصمته بيروت، من قبل تلك الدولة العدوة، والاعتداءاتِ المستمرةِ أيضًا حتى يومنا هذا. ويزيده أسًى تحكُّم طغمةٍ، من زعماء طوائفه الثماني عشرة، بمصيره ومصير من بقي فيه من سائر أبنائه الوطنيين.
- أما الجزء الجنوبي من الدولة العربية التي حلمت وأترابك بها، فقد أصبح ستّ دويلات، من أغنى بلاد العالم، ولأنّ حكوماتها الهشّة، لا تستطيع حماية أراضيها، فطلبت ذلك من المستعمر الجديد، عابد المال وحده، فكان أن أصبح الآمر الناهي عليها وعلى خيراتها…
- والإنسان العربي الذي كان يتنقل بحرية تامة، أينما كان له إخوانٌ في العروبة، أصبح بحاجة لجواز سفرٍ وتأشيراتٍ مسبقة، لزيارة أيٍّ من الدول العربية، سواء في آسيا أم إفريقيا. بينما يحقُّ لكثيرٍ من غير العرب، كالبريطاني والأميركي مثلا، دخولَ أيّ منها ساعة يشاء، بإبراز جوازه فقط.
فيا خاليَ الذي أفتخر به وبتاريخه المجيد، على الرّغم من أنّ قدرَك قد حرمني رؤية وجهك وقامتك، ولكنّ المرحومة والدتي قد زرعتْ في نفسي، مع الحليب الذي أرضعتني إياه، بذورَ حُبّكَ وإخلاصِكَ للوطن والحرية والقيم الإنسانية والدينية؛ اسمح لي بأن أكتفي الآن، بهذا القدْرِ من أخبار مآسينا وخِزي حكّامِ دويلاتنا «العربية»، الذي يحتاج شرحُها إلى مجلدات عديدة. وأرجو الله أن يُنعم عليكم، أنت وأمثالك من الشهداء الأبرار، بطِيب الإقامة في رياض الفردوس الأعلى، راضية نفوسكم مرضية.
أسامة كامل أبو شقرا
مونتريال – كندا
31 أيار/مايو 2026
[1] عبيدات، محمود، أحمد مريود قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن – رياض الريس للكتب والنشر – بيروت – 1997. (ص 210).
[2] كانت هذه الجمعية تضم خيرة الضباط العرب العاملين في الجيش العثماني. عبيدات، محمود، أحمد مريود قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن – المرجع السابق. (ص 105).
[3] كانت هذه الجمعية تضم خيرة المناضلين العرب، وقدمت على مذبح الحرية والاستقلال كوكبة من مناضليها للاستشهاد والسجن والمنافي، مما قوى عودها وزاد انتشارها، وأصبحت بحق الممثل الشرعي للجماهير الشعبية العربية، في كل الولايات العربية التابعة للحكم العثماني. (عبيدات، محمود، أحمد مريود قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن – المرجع السابق. (ص 105).
[4] عبيدات، محمود، أحمد مريود قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن – المرجع السابق. (ص 109).