الأندلس أم النهضة الأوربية

أسامة كامل أبو شقرا
مجلة همس الحوار – لندن – بريطانيا – عدد تموز/يوليو 2026
https://whisperingdialogue.com/2026/07/15/الأندلس-أم-النهضة-الأوربية/

إنّ إطلاق تسمية حضارة يونانية،أو عربية، أو إسلامية، أو غيرها، أراه غير دقيقٍ. فالأصح في رأيي أن يقال: الحقبة اليونانية، أو العربية أو الإسلامية، من الحضارة الإنسانية. لأنّ الواقع والتاريخ يفيداننا بالترابط غير المنقطع بين تلك الحقب، وما قبلها وما بعدها. فكما ينتقل العلم من جيلٍ إلى جيلٍ في البلد الواحد، ففي المدرسة والجامعة، يتلقن طلاب العلم مما نُقل عن العلماء الذين سبقوا عصرهم، وما العلم إلّا من تجارب السابقين. وكذلك الحال بين الشعوب، سواء المتعاصرة منها أم المتتالية زمنيا. 

فالفينيقيون الذين كانوا يجولون أقطار المعمورة، وبخاصة البلدان المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، انطلاقًا من مدنهم، على الشاطئ الشرقي لذلك البحر، إلى إفريقيا، وإلى أوروبا1؛ فقد أخذ اليونانيون عنهم الكتابة والتواصل بالحروف نطقًا وكتابة، ففرضت قوة دولتهم، اللغة اليونانية، كلغةِ العلم بجميع فروعه في ذلك الزمن. ولكن مؤرخيهم قد أغفلوا إعلامنا عن كيفية تعلمهم ذلك، أو عن طريقة التواصل والتفاهم بينهم وبين الفينيقيين، وبأي لغة تم ذلك، وماذا أخذوا عنهم غير ذلك، ولو بعضًا من الكلمات والأسماء.  

ولم أزل أذكر مما تعلمناه في المرحلتين الابتدائي والمتوسطة، أن الأميرة الفينيقية أليسار (أو ديدو أو إليسا) ابنة ملك صور، هربت بعد موت أبيها، خوفا من أخيها بيغماليون، إلى شمال إفريقيا، في تونس اليوم. ولما طلبت من ملك تلك الديار أن يسمح لها بالإقامة على أرضه، أجابها بمحها قطعة أرض بمساحة جلد ثور. ولكنها فاجأته قصّت جلد الثور بطريقة جعلته شريطًا طويلا، امتد حول قطعة أرضٍ ذات مساحة شاسعة. فأعجب الملك بذكائها، ومنحها تلك الأرض، التي أسست عليها مدينة، سمّتها قرطاج أو قرطاجة، التي أصبحت فيما بعد دولة ضاهت بقوتها دولة روما في ذلك الزمن، وحاربتها. ولا ننسى القائد القرطاجيّ هنيبعل الذي هاجم روما بجيشٍ عظيم، بعد أن عبر به البحر من إفريقيا إلى أوروبا، أكمل السير إليها قاطعًا قمم جبال البيرينيه. وأشير إلى أنّ في قضاء المتن الجنوبي في جبل لبنان، قريةً اسمها قرطاجة.

وبما أنّ الفينيقيين كانوا جوّالين، كما ذكرنا، فهذا يعني أن التواصل بينهم وبين شعوب الأقطار التي كانوا يقصدونها، كان بأحد وسيلتين: إما أنّ الفينيقيين كانوا على معرفة جيدة بلغات تلك الشعوب، أو أن هذه الأخيرة كانت قد تعلمت لغتهم. أما القول بأن التفاهم بينهم كان عن طريق المقايضة بالإشارة ومن دون كلام، فقد يحدث مرة أو مرتين أو حتى ثلاث، أما أن يدوم مئات السنين، فهذا أمرٌ غيرُ منطقيّ. 

وإبّان عصر دولة الإسلام، أصبحت لغتُها العربية لغةَ العلم المتداولة، في معظم أنحاء العالم على مدى قرون من الزمن. وفي حقبة سيطرة هذه اللغة، لم يكتفِ أعلامها، بترجمة معظم، إرث فلاسفة وعلماء اليونان والرومان والهند والفرس، وكلِّ بلدٍ وطئت أقدامُهم أرضه، بل درسوه وأشبعوه نقدًا وتشريحًا، ولم ينسبوا مضامينه إلى أنفسهم، التزامًا بالأمانة العلمية، والعرفان بالجميل، من قولهم مجازًا: «من علمني حرفًا كنت له عبدًا»، و«الإنسان عبد الإحسان». والإحسان لا يكون في المال فقط، بل في كل عملٍ حسن يقدم للآخرين. وهل في الدنيا عمل حسنٌ أفضل من إكساب العلم؟

وها نحن اليوم نرى أن اللغة الإنكليزية هي لغة العلم في عصرنا الحالي، والتي يُترجَم إليها الكثير من الأعمال المعاصرة والسابقة. 

وقد كان لدولة الأندلس العربية المسلمة، الدور العظيم فيما يعرف بالنهضة الأوربية. فقد شهدت تلك الدولة، تطورًا كبيرًا ونهضة شاملة على جميع المستويات، إذ قد اهتم أمراؤها بتنشيط الصناعة والتجارة، وعملوا على تنظيم جيش قوي وأسطول بحري كبير للدفاع عن البلاد.

والأندلس، هو الاسم التاريخي الذي أُطلق على شبه الجزيرة الإيبيرية إبّان فترة الحكم الإسلامي لها، بين عامي (711م – 1492 م.)، وتطابق جغرافيًا اليوم أراضي دولتي إسبانيا والبرتغال. بينما يُعرف إقليم أندلوسيا (Andalusia) حاليًا كمنطقة إدارية في جنوب إسبانيا.

وقد بدأت الحركة العلمية في بلاد الأندلس منذ استقرار المسلمين العرب على أرضها، وكان من أهم ملامح هذه الحركة تشجيع الحكام والأمراء على التعليم، وبناء المدارس والجامعات والمكتبات، أسوةً بما فعل إخوانهم في الشرق، إيام حكم الأمويين في دمشق ثم العباسيين في بغداد، وفي غيرهما من الحواضر الإسلامية. وبالتأكيد فقد كان تبادل العلوم والفنون بينهم على قدم وساق.

وقد أحرزت الأندلس نهضة شاملة في العلوم النظرية والعملية، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتخبط في ظلام الجهل والتخلف، إلى أن بدأ انتقال الحضارة في الحقبة الإسلامية إلى البلاد الأوروبية شيئًا فشيئًا، وعلى مدى نحو من الثمانية قرون.

وكما كان طالبو العلم، منذ بداية القرن العشرين، وما زالوا، حتى أيامنا هذه، يقصدون الجامعات الفرنسية والإنكليزية، ثم الأميركية، فقد كان أثرياء البلدان الأوروبية يرسلون أبناءهم للدراسة في جامعات طليطلة وقرطبة وإشبيلية وغيرها من الحواضر الأندلسية.

ويقول فلوريان زيمين2: «ومما لا شك فيه أن الحضارة العربية هي حلقة الاتصال بين اليونان والحضارة الحالية، فهم الذين حفظوا علوم اليونان وغيرها من الضياع، وهم الذين نقلوها ونقلوا معها إضافاتهم الكثيرة إلى أوروبا عن طريق الإسبان… ويعترف البارون دي فو بأن الرومان لم يحسنوا القيام بالميراث الذي تركه اليونان، وأن العرب، على خلاف ذلك، فقد حفظوه وأتقنوه، ولم يقفوا عند هذا الحدّ، بل تعدّوه إلى ترقية ما أخذوه وتطبيقه باذلين الجهد في تحسينه وإنمائه حتى سلّموه للعصور الحديثة. وهم فوق ذلك أساتذة أهل أوروبا، واعترف بذلك العالم الفرنسي الكبير سيديو حيث قال: إن إنتاج أفكارهم الغزيرة ومخترعاتهم النفيسة، تشهد أنهم أساتذة أهل أوروبا في جميع الأشياء.»3 

ومن أبرز الأدلّة على انتقال الكثير من العلوم التي كانت الأساس لما نشهده اليوم من الاختراعات والآلات ووسائل التواصل وغيرها، أسماؤها في اللغات الغربية المطابقة لها في العربية. ومنها التالي:

العربية الفرنسية الإنكليزية الإيطالية الألمانية
جغرافيا Géographie Geography Geografia Geographie
الجبر Algèbre Algebra Algebra Algebra
الكيمياء Chimie Chemistry Chimica Chemie
الفيزياء Physique Physics Fisica Physik
الفلسفة Philosophie Philosophy Filosofia Philosophie
علم الخوارزميات Algorithmique Algorithms / Algorithmics Algoritmica Algorithmik
الصفر Zéro Zero Zero Ziffer

وما يعرف اليوم بالخوارزميات، هو نسبة إلى «أبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي»، العالِم الإسلامي المبدع. وقد قال عنه، الدكتور علي منير حرب: «تتجلّى عظمة «الخوارزمي»، في خلق عِلم جديد لم يكن موجودًا من قبل، هو علم الجبر (ALGEBRA) والمقابلة4، وفي وضع نظام الترقيم المعتمد في الشرق والغرب حتى يومنا هذا، وإدخال استعمال الصفر على الأعداد، (ZIPHER) (صايفر، تسفير، شيفر، ثيفرا)، ومخترع الأرقام العربية، ومنحِ لقبه (الخوارزميات) (ALGORITHM, ALGORISM)، إلى أهم مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة، اللازمة في علوم الكومبيوتر، لكي تقوم الأجهزة بتفعيل البرامج وإدارة البيانات بطريقة عملية.»5

ومن أهم العلماء المسلمين في الطب، ابن النفيس، «علاء الدين علي بن أبي حزم، ويُعرف أيضًا بالقَرشي، نسبة إلى قرية القَرشية، من أعمال حمص السورية، التي كانت حاضرة مهمّة من حواضر العالم الإسلامي. وُلد عام 1210، أو 1213 كما في بعض الروايات.» وهو «من أشهر علماء الطب في العصر الذهبي الإسلامي، ويقارن بـ«ابن سينا» في الأهمية الطبية، وهو أول طبيب عالمي اكتشف ووصف الدورة الدموية، وكان موسوعيًا غزير الإنتاج جامعًا بين مختلف العلوم بشكل متوازن، بارعًا وسبّاقًا في عالم التشريح، وجرّاحًا، وطبيب عيون، وأحد روّاد علم وظائف الأعضاء في الإنسان، أو ما يعرف اليوم بعلم الفيزيولوجيا، وصُنّف بأنه الرجل الفيزيولوجي الأول طوال العصور الوسطى الإسلامية.»6

ولكن «وليام هارفي» (1657 – 1578)، الأوروبيّ الذي نسب إلى نفسه اكتشاف الدورة الدموية، لم يذكر، ولو بالإشارة، أنّ ابن النفيس هو المكتشف الحقيقي لها، وقبل ولادته بما يزيد عن القرون الثلاثة من الزمن.

كذلك عرف الأوربيون الورق عن العرب، الذين عرفوه وعرفوا صناعتَه عن الصينيين، من سمرقند التي افتتحوها سنة 93 هـ – 712 م.، وفي عام 178 هـ – 794 م. أسّس الفضل بن يحيى أول مصنعٍ للورق في بغداد ثم انتشرت هذه الصناعة بسرعة في سائر أقطارهم. ولولا الورق لما اخترعت أوروبا آلات الطباعة.

كما لم يسلم الأدب والشعر في أوروبا من التأثر بالتراث العربي، والنقل عنه. فهذا الشاعر الفرنسي لافونتين7 قد استقى من كتاب كليلة دمنة لابن المقفع، ثمانين حكاية من حكاياته المعروفة بالفرنسية باسم: (Les Fables de La Fontaine)، من دون الإشارة إلى ذلك. 

وقبل الختام لا بد من القول: إنّ الأندلس أنجبت نخبة من أبرز علماء التاريخ الإسلامي الذين أثروا الحضارة الإنسانية في مختلف المجالات. من أبرزهم، في الحقول التالية:

  • الطب والجراحة: أبو القاسم الزهراوي، الملقب بأبي الجراحة الحديثة ومخترع العديد من أدواتها.
  • الفلسفة: ابن رشد، الفيلسوف والطبيب الذي اشتهر بشروحه العميقة لأرسطو.
  • الفقه والحديث: ابن حزم الأندلسي، إمام مدرسة الظاهرية وأحد أعظم علماء الإسلام.
  • الفلك والرياضيات: جابر بن الأفلح الإشبيلي، رائد علم المثلثات الكروية.
  • الأدب واللغة: ابن سيده، صاحب المعجم اللغوي الشهير «المحكم».

ولو أردنا إنصاف الأندلس في تبيان دورها بالمساهمة في الحضارة الإنسانية، لاحتجنا إلى العديد من المجلدات، ولذا أختم بالقول المشهور: «لولا جهود العلماء والفلاسفة العرب والمسلمين في العصر الذهبي لضاع الكثير من أمهات الكتب اليونانية، ولتأخرت نهضة أوروبا لقرون طويلة. ولما عرف الغرب أرسطو وأفلاطون وسقراط…»

الهوامش:

1 يُقال أنها سُميت بهذا الاسم، نسبة إلى «عروبا، ابنة آجينور ملك صور الفينيقي» الكنعاني.

2 فلوريان زيمين (Florian Zemmin) هو باحث ومستشرق ألماني معاصر. ومساعد للدراسات الإسلامية في جامعات أوروبية بارزة مثل جامعة برن السويسرية.

3 من كتاب: العِلم عند العرب وأثره في تطوّر العِلم العالمي – تأليف ألدوميلي – نقله إلى العربية: الدكتور عبد الحليم النجار، والدكتور محمد يوصف موسى – الطبعة الأولى 1962- دار القلم / القاهرة. (ص 3).

4 علم الجبر والمقابلة، هو تأسيس علم الرياضيات الحديث الذي وضعه العالم الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي، لحل المعادلات الجبرية (الدرجة الأولى والثانية). حرب، علي منير – كتاب عظيم وحكاية – تحت الطبع.

الجبر: نقل الحدود السالبة أو “الناقصة” من أحد طرفي المعادلة إلى الطرف الآخر، لتصبح موجبة (تجبيرها).

المقابلة: حذف الحدود المتماثلة من طرفي المعادلة، أو توحيد الحدود من نفس النوع.

 حرب، علي منير – كتاب عظيم وحكاية – تحت الطبع.

6 Louis-Hippolyte-La Fontaine, (4 octobre 1807 – 26 février 1864).

المصادر:

العِلم عند العرب وأثره في تطوّر العِلم العالمي – تأليف ألدوميلي – نقله إلى العربية: الدكتور عبد الحليم النجار، والدكتور محمد يوصف موسى – الطبعة الأولى 1962- دار القلم / القاهرة

حرب، علي منير – كتاب عظيم وحكاية – تحت الطبع.

La Fontain J. (1668) Fables de la Fontain, Claude Barbin et Denys Thierry, Paris.

 Zemmin F et al (2024) Postcolonialism and Social Theory in Arabic, Palgrave Macmillan

———————————————————————————————- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل